روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
248
عرائس البيان في حقائق القرآن
والحدثان ، فرفعوا أبصارهم عنها ، ولم يستحسنوها في ديوان المعرفة من النظر إلى الخلق والخليقة ، وقالوا : رَبُّنَا اللَّهُ أي : يكفينا اللّه من كل ما سواه ، استقاموا باللّه للّه في اللّه ؛ فإن عين الألوهية تحرق مطالعيها من العرش إلى الثرى ، فإذا أراد اللّه استقامة المستقيمين من أهل شهوده ألبسهم أنوار بقائه وصمديته ، فيسبحون بنور البقاء في بحار الأزليات الأبديات . قال ابن عطاء : استقاموا على إفراد القلب باللّه . وقال أيضا : استقاموا على المشاهدة ؛ لأن من عرف اللّه شيئا لا يهاب غيره ، ولا يطالع سواه ، فتركوا المنازعة والاعتراض مع الحق . سئل الشبلي عن هذه الآية ، فقال : قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ هو خالقنا ، فاستقاموا معه على بساط المعرفة ، وداموا بأسرارهم على سرير الجنة ، تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ بانقطاع المدة أَلَّا تَخافُوا من دار الهوان ، وَلا تَحْزَنُوا على ما فاتكم من دار الامتحان ، وَأَبْشِرُوا « 1 » بدوام النعيم ، وهو لقاء اللّه تعالى الذي ليس بعده بؤس ولا شدة . صدق الشيخ في هذا التفسير ، وعجبت ممن استقام مع اللّه في مشاهدته وإدراك جماله كيف يطيق الملائكة أن يبشروه ، أين الملك والفلك بين الحبيب والمحب ليس وراء بشارة الحق بشارة ، فإن بشارة الحق سمعوها قبل بشارة الملائكة في نداء الأزل بقوله : أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ ، ليس لهم خوف القطيعة ، ولا لهم حزن الحجاب ، وهم في بشر مشاهدة الجبار ، قول الملائكة معهم تشريف للملائكة ههنا ؛ لأنهم يحتاجون إلى مخاطبة القوم ، وهم أحباؤنا في نسب المعرفة من حيث الحقيقة ألا ترى كيف سجدوا أبانا قال اللّه تعالى : نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ ، هم أحباؤنا ، ونحن أحباء اللّه ، واللّه تعالى أحبنا في الأزل ، واختارنا بالمعرفة والمشاهدة . قال جعفر : من لاحظ في أعماله الثواب والأعواض كانت الملائكة أولياؤه ، ومن تحقق في أفعاله وعملها على مشاهدة أمرها فهو وليه ؛ لأنه يقول : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا . قال الأستاذ : استقاموا على دواء الشهود وعلى انفراد القلب باللّه . [ سورة فصلت ( 41 ) : آية 33 ] وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 33 )
--> ( 1 ) قال محمد بن علي الترمذي : تتنزل عليهم ملائكة الرحمة ، عند مفارقة الأرواح الأبدان ، ألا تخافوا سلب الإيمان ، ولا تحزنوا على ما كان من العصيان ، وأبشروا بدخول الجنان ، التي توعدون في سالف الأزمان . البحر المديد ( 5 / 402 ) .